ابن الوزان الزياتي
292
وصف افريقيا
ولا أشك في أنني كنت مملا نوعا ما في هذا الوصف الطويل والغزير جدا عن مدينة فاس . ولكن كان من الضروري بالنسبة لي أن أطنب في الحديث عنها ، نظرا لأن حضارة بلاد البربر وعظمتها ، بل حضارة إفريقيا كلها وعظمتها ، يتمركزان فيها ، ومن ناحية أخرى كي أخبركم تماما بأدق التفاصيل عن وضع هذه المدينة وخصائصها . مكرمده مكرمده مدينة صغيرة تقع على مسافة عشرين ميلا « 238 » شرقي فاس « 239 » . وقد بناها ملوك زناتة على ضفة نهر صغير في سهل بهيج جدا . وقد كانت في الماضي مركز كورة كبيرة وكانت آمنة للغاية . وتكثر الكروم ومزارع الأشجار المثمرة على طول النهر . وكان من عادة ملوك فاس منح عوائد هذه البلدة لرئيس وكلائهم على الإبل . ولكنها تخربت وهجرت على أثر حروب الأمير سعيد « 240 » ولا يظهر منها اليوم سوى جدرانها . أما كورتها فمؤجرة لبعض أشراف فاس ولبعض المزارعين . قصر العبّاد وهو قصر مشيد فوق جبل عال على مسافة ستة أميال من فاس « 241 » . ومن هذا القصر يمكن رؤية فاس والبوادي التي تحيط بها . ويعود أصل هذه التسمية إلى أنها كانت مقام زاهد يعتبره سكان فاس من الأولياء . ولكن هذا القصر لا يحوي حوله سوى القليل من الأراضي الصالحة للزراعة ، ولهذا فهو غير مأهول ، وبيوته مهدمة . ولم يبق منه سوى السور والمسجد . غير أن الأرض الزراعية الزهيدة فيه تخص جامع فاس . وقد قضيت في هذا القصر أربعة فصول صيف ، لأن هواءه عليل جدا ومعتدل ، ولأن هذا المكان المنعزل مناسب كثيرا لمن يرغب في الدرس ، ولأن والدي استأجر هذه الأرض مدة أربعة أعوام من وكيل الجامع « 242 » .
--> ( 238 ) 32 كم . ( 239 ) لم يمكن تحديد موقع هذه المدينة ، ولعلها كانت تقع في وادي ايناون . ( 240 ) بين 1411 و 1412 م . ( 241 ) 10 كم . ( 242 ) لا يزال هناك ضريح سيدي أحمد البرنوسي وهو واقع فوق هضبة شمال شرق جبل زلاغ ، على ارتفاع 759 م وعلى ارتفاع حوالي 550 م من وادي سبو ، 300 م من سهل فاس .